http://store1.up-00.com/2017-08/15032653624172.gif http://store1.up-00.com/2017-08/150326608856361.gif

ساحة “الدشيرة”.. أو ساحة معركة “ماكدونالدز” الخالدة!

الصحراء الآن : بنعبد الفتاح محمد سالم

“أمة تجهل تاريخها لن تحسن صياغة مستقبلها” مقولة الفيلسوف الامريكي “جورج سانتيانا” التي تلخص الى حد كبير الواقع التعيس الذي نعيشه اليوم, تلقفها منتخبو مدينتنا التعيسة ليُوظفوها ليس بهدف تعريفنا بتاريخنا المشرف ولكن بهدف ضمان بقائهم جاثمين على صدورنا عبر عزلنا عن كل ما يمت بصل لتاريخنا المشرف, ليقينهم أن صياغتنا لمستقبلنا وتحكمنا فيه سيقود حتما إلى التخلص منهم ورميهم في مزبلة التاريخ المكان اللائق بهم, فاختاروا إلهاءنا عبر استيراد المطاعم والماركات الأمريكية بدل تثقيفنا وتنويرنا بتلك الحكمة الأمريكية…!

لم يُجرم من يفترض أنهم منتخبونا في حقنا عبر منعنا من ولوج الفضاءات العمومية فقط عن طريق غلق الساحة الواقعة بجوار أحياء شعبية مكتظة, ساكنتها في أمس الحاجة لها فقط, ولكن نجحوا أيضا في ارتكاب جريمة أشنع وأكبر تمثلت في التهييئ لفصلنا عن ذاكرتنا الجمعية المتمثلة في أهم المحطات التاريخية الهامة عبر منعنا من ولوج مكان يحمل اسم ملحمة تاريخية خاضها آباءنا وأجدادنا, فلم يعد يمثل إسم “الدشيرة” في مخيلتنا سوى السور الحديدي الداكن اللون الذي يعترض طريقنا فنضطر الى المرور بجواره دون التجرؤ على استكشاف ما بداخله…

طبعا قلما كنت أفكر في أبطال معركة الدشيرة رحمهم الله الذين يقف النصب المخلد لذكراهم بشكل محتشم وسط الساحة, بالكاد يظهر للعيان خاصة بعد محاصرته بصالات المقاهي المشيدة في جنباته وبالسور المحاصر له بإحكام والأشجار المحيطة به…

على أي لن نجد ما سنترحم عليه بعد الآن فالساحة ستستحيل منشأة غريبة عن واقعنا وعن هويتنا, إذ يبدو أن أعمال البناء الخاصة بفرع مطعم “ماكدونالد” الجاري إنشاءه بمدينة العيون وصلت إلى مراحل متقدمة، والظاهر أن مقر المطعم أكبر بكثير من النصب التذكاري “الخجول” المخلد لمعركة الدشيرة التاريخية، فأعمدة الخرسانة الخاصة ببناء فرع الشركة الامريكية تصل إلى أمتار في عمق اﻻرض، لتنافس ذكرى المعركة الضاربة في عمق التاريخ وتزيلها من وسط الساحة, ضاربة حمولتها ورمزيتها التاريخيتين عرض الحائط الإسمنتي المشيد!

ﻻ أظن ان المجاهدين اﻻبطال -الذين ارتقوا شهداء في تلك المعركة- كانوا سيتقدمون صفوف المقاومة ويقدمون على مواجهة جيش الاستعمار صبيحة تلك الملحمة التاريخية، لو علموا أن النصب المخلد لذكراهم سيستحيل إلى مطعم أجنبي بموجب صفقة رخيصة دون أن يعترض أبناء الوطن الذي ضحوا لأجله على الاهانة الكبيرة التي لحقت بهم!

ما يزيد الطين بلة وينكأ جراح المجاهدين رحمهم الله من جديد هو أن مهندسي تلك الصفقات التي تم بيع ذكرى المجاهدين اﻻبطال بموجبها هم منتخبون يفترض أنهم ممثلون للشعب الذي ضحى لأجله المجاهدون اﻻبطال بدمائهم وأرواحهم…

كما أن صفقة “ماكدونالدز” المهينة لم تكن اﻻهانة اﻻولى التي تلحق بذاكرة المنطقة و بأبطال معركة “الدشيرة” ممثلين في النصب التذكاري المخلد لهم، فمنذ سنوات تم تمرير الساحة نفسها إلى أحد أصحاب الحظوة مِن مَن يُفترض أنهم من ممثلي الشعب ليقيم فيها مقهى يحمل اسما اسبانيا، وكأن منتخبينا يصرون على إهانة اﻻباء المقاومين وإغاظتهم وهم في مثواهم الأخير بمختلف السبل، وكأنهم يقولون لهم “سنخلد اﻻستعمار الذي ارتقيتم شهداء على يديه بدل ان نخلد ذكراكم”!

قريبا سيترحم عمال ومالكو المطاعم الشعبية وأصحاب عربات “الكاسكروطات” المتواجدين في محيط الساحة أيضا على اﻻيام التي كانوا فيها يحصلون ارزاقهم، فلن يستطيعوا منافسة الوافد اﻻجنبي الجديد الذي سيبتلع زبناءهم المبهورين بالماركة العالمية وبالصرح الضخم الجاري تشييده بعين المكان…

على أي من حق “كروش الحرام” أن يحتفلوا بنصرهم على تاريخ المنطقة وعلينا جميعا مجاهدين، باعة “الكسكروطات”، مصوتين وزبناء…، و على الوطن وعلى الذاكرة الجمعية أيضا، من حقهم أن يخلدوا ذكرى معركتهم المتمثلة في سيطرتهم على مقدرات الوطن وهيمنتهم على المال العام و التحكم فيه وتسخيره لمصالحهم الخاصة، من حقهم أن يقيموا صرح “ماكدونالد” ليذكرونا نحن أيضا بانتصارهم علينا، وبسرقتهم لوطننا وتحكمهم في مستقبلنا, وبضحكهم على ذقوننا عبر تحويلنا إلى زبناء أسخياء سنتزاحم على مطاعمهم, ومن حقهم أن يخلدوا ذكرى “راي كروك” مؤسس شركة ماكدونالد بإقامة صرحه العظيم على أنقاض النصب التذكاري الخاص بمعركة الدشيرة!

ففي النهاية نحن من سلمنا لهم رقابنا وانتخبناهم وبوأناهم تلك المكانة مقابل سعر زهيد أو تحقيق أغراض شخصية ضيقة أو سماع وعود كاذبة, فحتى أصحاب الشركات اﻻمنية الذين ألف لصوص المال العام استمالتهم عبر صفقات حراسة الساحات العمومية لن يستفيدوا هذه المرة, فالوافد الأجنبي الجديد لم يألف تقاسم رغيف الخبز مع غيره فوجبة “الهامبرغر” لا تقبل القسمة…

أما شهداء معركة الدشيرة التاريخية فلا أدري ما موقفهم وهم يشاهدون قوائم أسمائهم التي يفترض أن تكون معلقة على النصب التذكاري تستبدل ب”المينو” الخاص بالوجبات السريعة التي تقدمها الشركة اﻻمريكية لأبنائهم وأحفاهم، فكأني بزبناء شركة المطاعم اﻻمريكية يلتهمون آباءهم الشهيد “همبركر” والشهيدة “بيتزا” على هذا اﻻساس…!

2017-08-08 2017-08-08