http://store1.up-00.com/2017-08/15032653624172.gif http://store1.up-00.com/2017-08/150326608856361.gif

القبيلة بين المعقول واللامعقول…

الصحراء الآن : منصور داهي

عمَّرٓ أسلافنا من ’’بني حسَّان‘‘ هذه الأرض لقرون خلت، عاشوا وتعايشوا فيها مع الكثير من الأحداث، سيّٓرو أنفسهم في ظل انعدام مؤسسات للدولة ولا للإدارة، فابتدعوا لأنفسهم أعرافا وتقاليدا استمدوا أصولها من دينهم الإسلامي، وبنوا صرحها على منهاج أسلافهم من العرب وكان هذا هو حال أهلنا من البدو الرحل، فسجل لهم التاريخ انتصارهم للعدل، ومحاربتهم للظلم في اتحادات قبلية قلبية، تجلت في شيوخ أجلاء، قضاة وأولياء سطروا أسماءهم في تاريخ هذه الأرض بعدلهم ودماثة أخلاقهم ونصرتهم للمظلومين وردعهم للظالمين .

صحيح أن الظلم طالما انتشر في هذه الأرض، في شخص قطاع الطرق وعلى شكل حروب وغزوات قبلية جاهلية واستعمارية غربية، لكن صوت الحق كان دائما ينتصر، وكان الظلم هو السبب لسن العديد من الأعراف المتفق عليها في مجتمع ’’البيظان‘‘ ، هذه الأعراف البسيطة هي من حمت قبائلنا وضمنت لها استمراريتها في بيئة صعبة وجغرافيا قاسية، ولعل هذا هو السر الحقيقي وراء تمسكنا المتين بهذه الأعراف والتقاليد.

اليوم وفي عصرنا الحالي نعيش نحن أحفاد ’’بني حسان‘‘، أو بنو حسان الحداثة، في مجموعات بشرية مدنية على خلاف ماكان عليه أسلافنا، ونأبى بأي شكل من الأشكال التخلي عن أعرافنا وعاداتنا العريقة، وهذا ما يمثله اليوم لجوء أغلبنا في حل مشاكلهم لمؤسسة القبيلة وشيوخها رغم توفر البديل القانوني الحديث؛ أي مؤسستي الأمن والقضاء .

في ظل كل هذه المؤسسات وكل هذه القوانين والأعراف، وتكاثف الجهود بين المشايخ والأعيان والقضاء والأمن؛ تتنامى الجريمة وفكرها بين شبابنا يوم بعد يوم، ويتضاعف عدد ضحايا الظلم وينعدم الأمن تدريجا، حتى سطت على السطح ظواهر شاذة لا علاقة لها بماضينا، ونعي جيدا أن طريقنا مجهول ويسير نحو الهاوية، ولا نعرف بالضبط ماهية السبب ولا مكمن الخلل.

أغلب من ناقشتهم أو استفسرتهم من أبناء جيلي وجلدتي عن هذا الموضوع؛ يُرجِعون الأمر للدولة ويحملونها المسؤولية، ويظنون عبثا أن مؤسسات الدولة المغربية تسعى لنشر الفوضى وانعدام الأمن لأغراض سياسوية، لكنني شخصيا لا أعتقد بتاتا بهذه الفرضية، كما اعتبرها وجهة نظر خاطئة، سطحية لا يقبلها العقل ولن يتبناها العقلاء، اللهُمٓ المتشبعين بنظرية المؤامرة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع، بل أعتقد العكس تماما؛ حيث أفهم جيدا أن موقف هؤلاء الشباب مبني على تراكمات سياسوية لا علاقة لها بالواقعية الإجتماعية.

ومن باب دراسة الظواهر الإجتماعية، سأستحضر لكم قصة واقعية لأقربكم من المشهد بطريقة مجهرية، حتى تتضح لكم الصورة بصفة عامة :

شاب عشريني صحراوي مدمن مخدرات، يشتري يوميا جرعة مخدرات من أحد المروجين في حيه ( صحراوي كذلك )، في يوم من الأيام لم يتوفر على ثمن الجرعة؛ فطلب من المروج أن يدينه جرعة، فرفض الأخير ذلك، مما أدى إلى وقوع مشاحنة ثم مشاجرة ثم ضربة بسكين على الخد من طرف المروج، قدمت الشرطة للمكان، اعتقلت المروج فلم تجد بحوزته مخدرات، بينما نتقل الضحية للمستشفى لتلقي العلاج .

شيخ قبيلة المروج استنجدته أم الأخير، عن طريق أحد سماسرة الصلح ( مهنة مدرة للدخل ) أن ينجي ابنها من السجن ويتدخل من أجل الصلح، اتصل بعم الضحية واتفقا على فض الأمر حسب ماهو متفق عليه في عرف الصحراويين من أجل التنازل، وذلك ما وقع .

الضحية خرج من المستشفى بوجه مشوه يسعى للإنتقام، ومن أجل ذلك تأبط سكينا لأول مرة؛ فطعن المروج طعنة قاتلة، لكن الله سلم، ونجى من موت محقق، بنفس الطريقة الأولى؛ تدخل السمسار والشيخ والعم مرة أخرى، وحلوا المشكل عبر التنازل، ووقع الصلح بين العائلتين والشابين، بينما بقي دور الشرطة والقضاء مقتصرا على تمزيق المحاضر واستلام التنازلات، والتفرج على روح القانون تنتهك تحت روح القبيلة والعرف.

هكذا بكل بساطة؛ ينتهي الحال بمئات القضايا الجنحية والجنائية في الصحراء، إذ أصبحت القبيلة تلعب دورا عكسيا على ما كان منوطا بها في السابق، وأصبحت مانعا لتطبيق القانون، ومساعدا رسميا لتفشي الجريمة عبر تداخل صلاحياتها التقليدية، مع صلاحيات المؤسسات الحديثة، وهو ما لا يبشر بخير.

هذا التداخل ليس حصرا فقط على المدن الصحراوية، فهو كذلك موجود في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وبالأمس القريب رأينا فيها القبيلة تتدخل في صراعات عصابات تجارة المخذرات، بينما يقف المسؤولون التنفيذيون هناك وقفة الحائر العاجز، الخائف من تحولها لصراع قبلي يعصف بالجميع، كذالك موريتانيا تعاني بسبب القبيلة، وتقف عائقا أمام تطورها واندماجها في عالم متمدن وحداثي؛ تسيره المؤسسات والإدارات، والحال كذلك سيبقى في كل منطقة الساحل والصحراء، إذا ما تفطن أهل العقل والحكمة ووضعوا حدودا عقلانية للقبيلة، مخرجين إياها من معمعان اللامعقول عائدة نحو المعقول الذي تكونت ونشأت عليه.

2017-09-05 2017-09-05